عبد الملك الثعالبي النيسابوري
225
يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر
الباب الثالث 16 - في ذكر الصاحب أبي القاسم إسماعيل بن عباد وإيراد لمع من أخباره ، وغرر نظمه ونثره ليست تحضرني عبارة أرضاها للإفصاح عن علو محله في العلم والأدب وجلالة شأنه في الجود والكرم . وتفرده بغايات المحاسن ، وجمعه أشتات المفاخر ، لأن همة قولي تنخفض عن بلوغ أدنى فضائله ومعاليه ، وجهد وصفي يقصر عن أيسر فواضله ومساعيه ، ولكني أقول : هو صدر المشرق ، وتاريخ المجد ، وغرة الزمان ، وينبوع العدل والإحسان ، ومن لا حرج في مدحه بكل ما يمدح به مخلوق ، ولولاه ما قامت للفضل في دهرنا سوق ، وكانت أيامه للعلوية والعلماء ، والأدباء والشعراء ، وحضرته محط رحالهم ، وموسم فضلائهم . ومترع آمالهم . وأمواله مصروفة إليهم ، وصنائعه مقصورة عليهم ، وهمته في مجد يشيده ، وإنعام يحدده . وفاضل يصطنعه ، وكلام حسن يصنعه أو يسمعه . ولما كان نادرة عطارد في البلاغة ، وواسطة عقد الدهر في السماحة ، جلب إليه من الآفاق وأقاصي البلاد كل خطاب جزل ، وقول فصل . وصارت حضرته مشرعا لروائع الكلام ، وبدائع الأفهام . وثمار الخواطر ، ومجلسه مجمعا لصوب العقول . وذوب العلوم ودرر القرائح . فبلغ من البلاغة ما يعد في السحر ، ويكاد يدخل في حد الإعجاز ، وسار كلامه مسير الشمس ، ونظم ناحيتي الشرق والغرب ، واحتف به من نجوم الأرض ، وأفراد العصر ، وأبناء الفضل ، وفرسان الشعر ، من يربى عددهم على شعراء الرشيد ، ولا يقصرون عنهم في الأخذ برقاب